U3F1ZWV6ZTM4NDgxMTk4MDE3NjZfRnJlZTI0Mjc3MjY3MjA5NDU=

المقاربة الإدراكية في ريادة الأعمال: التوليفة الاستراتيجية اللحظية المُدركة (CSIP)

 

التوليفة الاستراتيجية اللحظية المُدركة

لم تعد ريادة الأعمال في الأدبيات الإدارية الحديثة تُدرس كخطوات ميكانيكية متسلسلة (تأسيس، تمويل، تسويق)، بل كعملية تفاعلية وديناميكية معقدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوعي رائد الأعمال وإدراكه الذاتي. في كتابه المرجعي "Entrepreneuriat : Apprendre à entreprendre"، يؤكد ألان فايول (Alain Fayolle) أن فهم السلوك الريادي يتطلب الغوص في "العالم الذهني" لصاحب المشروع. من هذا المنطلق، يبرز مفهوم "التوليفة الاستراتيجية اللحظية المُدركة" (CSIP) كأداة تحليلية تفسر كيف يتشكل المشروع في ذهن صاحبه، وكيف يددفعه هذا الإدراك إلى اتخاذ قرار الاستمرار أو التراجع.

1. ماهية التوليفة الاستراتيجية اللحظية المُدركة (CSIP)

تُعرف (CSIP) بأنها "مجموعة التمثيلات الذهنية والافتراضات التي يشكلها حامل المشروع، في لحظة زمنية معينة، حول وضعيته الريادية والبيئة المحيطة به".

حسب "فايول"، فإن رائد الأعمال لا يتعامل مع الواقع الفعلي أو الموضوعي للأسواق والموارد، بل يتعامل مع "واقعه المُدرَك". هذه التوليفة ليست ثابتة؛ بل هي صورة "لقطة شاشة" (Snapshot) ذهنية تتغير باستمرار مع تدفق المعلومات الجديدة وتطور الأحداث.

Alain Fayolle


2. المكونات الثلاثة للتوليفة

أو مايعرف بمثلث التفاعل الريادي، حيث يرى فايول أن هذه التوليفة اللحظية تتولد من التفاعل المستمر بين ثلاثة عناصر أساسية يوازن بينها رائد الأعمال في ذهنه:

  • طموحات ورغبات المقاول (Aspirations): الدوافع الذاتية، الأهداف الشخصية، ومستوى الرغبة في الاستقلالية أو تحقيق الذات.

  • الفرص المتاحة في البيئة (Opportunités perçues): كيف يرى رائد الأعمال السوق؟ هل يرى ثغرة حقيقية؟ وكيف يقيم التهديدات والمحفزات الخارجية؟

  • الموارد والكفاءات (Ressources et Compétences): تقييمه الشخصي لما يمتلكه من رأس مال، علاقات، وخبرات فنية تمكنه من تنفيذ المشروع.

معادلة الفعل الريادي عند فايول: ينطلق المشروع عندما يحدث "انسجام وتناغم" (Cohérence) بين هذه العناصر الثلاثة في ذهنية رائد الأعمال. إذا شعر أن كفاءاته قادرة على اقتناص الفرصة لتلبية طموحاته، تولد لديه "نية الفعل".

Alain Fayolle

 

 3. لماذا وصفت بـ "اللحظية" و"المُدركة"؟

يركز  فايول على دلالة المصطلحات المصاغة في هذا المفهوم لتمييزه عن التخطيط الاستراتيجي الكلاسيكي:

  • لحظية (Instantanée): لأن سيرورة إنشاء المؤسسات تتميز بعدم اليقين والاضطراب. ما يراه رائد الأعمال ممكناً اليوم (بسبب اتصال هاتفي مشجع من مستثمر مثلاً) قد يراه مستحيلاً غداً (إذا انسحب هذا المستثمر). التوليفة تتغير في كل لحظة.

  • مُدركة (Perçue): تؤكد المقاربة المعرفية (Cognitive approach). فقد تكون المؤشرات الاقتصادية سلبية موضوعياً، ولكن بسبب "التفاؤل المفرط" أو الرؤية الخاصة لرائد الأعمال، يرى التوليفة إيجابية ومحفزة.

4. مستويات الملاءمة في التوليفة 

في تحليله المعمق، يوضح فايول أن التوليفة الذهنية لرائد الأعمال تمر عبر ثلاثة مستويات من الملاءمة والانسجام قبل وأثناء النزول للميدان:

مستوى الملاءمةالمفهوم والمضمون الإدراكي عند رائد الأعمال
الملاءمة الذاتيةهل يتوافق هذا المشروع مع قيمي، قناعاتي، وأهدافي الشخصية؟
الملاءمة الاستراتيجيةهل الموارد والكفاءات التي أملكها كافية فعلاً لاقتناص هذه الفرصة في السوق؟
الملاءمة البيئيةهل البيئة الخارجية (قوانين، منافسين، زبائن) تتقبل الحل الذي أطرحه؟

5. دور الـ CSIP في مرافقة وتدريب رواد الأعمال

خصص فايول مساحة كبيرة في كتابه لكيفية استغلال هذا المفهوم في برامج الدعم والتعليم الريادي. ويرى أن دور الموجه أو الأستاذ ليس فرض "خطة عمل" (Business Plan) جامدة، بل مساعدة رائد الأعمال على إعادة تشكيل توليفته الاستراتيجية (CSIP) لتصبح أكثر واقعية.

يتم ذلك من خلال:

  1. زعزعة الافتراضات: دفع رائد الأعمال لاختبار إدراكه  عبر النزول للميدان ومقابلة الزبائن.

  2. موازنة المثلث: إذا كانت الطموحات عالية جداً والموارد ضعيفة، يساعد المدرب رائد الأعمال على خفض سقف الطموحات مؤقتاً أو البحث عن كفاءات تكميلية لإعادة التوازن للتوليفة الذهنية.

يمثل مفهوم "التوليفة الاستراتيجية اللحظية المُدركة" (CSIP) نقلة نوعية في كيفية تحليل الفشل والنجاح الريادي. وكما يوضح ألان فايول، فإن إحجام رواد الأعمال عن إنشاء المؤسسات أو فشلهم المبكر لا يعود دائماً لندرة الموارد، بل غالباً لخلل في "الاتساق الإدراكي" بين رغباتهم، كفاءاتهم، والفرص كما تصوروها. لذلك يعتبر هذا النموذج نظرة ديناميكية يرى من خلالها رائد الأعمال  البيئة المحيطة به، وتطوير هذه النظرة هو جوهر "تعلم الريادة" (Apprendre à entreprendre).

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة