إن فهم ريادة الأعمال يتطلب الاعتراف بتنوعها، ومساعدة رائد الأعمال تبدأ من تصنيف مشروعه بدقة ضمن نمطه الصحيح (سواء كان مشروعاً تقليدياً يهدف لتحقيق الاكتفاء الذاتي، أو مشروعاً ابتكارياً يهدف إلى النمو السريع)، لأن لكل نمط أدواته الإستراتيجية والتمويلية الخاصة به.
فما هي القواسم المشتركة في الواقع بين إنشاء محل تجاري صغير أو ورشة حرفية، وبين تأسيس شركات تكنولوجية عملاقة مثل Apple أو Microsoft؟
بالتأكيد، هناك تباين جذري في آليات التسيير، التمويل، والمخاطر. ومن هنا يستنتج فايول أن "ريادة الأعمال ليست ظاهرة متجانسة".
أن الاختلاف الشديد والتنوع في المؤسسات ينبع من ثلاثة أبعاد أساسية تتداخل فيما بينها:
رواد الأعمال(Les entrepreneurs): يختلفون في طموحاتهم، أهدافهم الشخصية، الموارد التي يملكونها، والمنهجية التي يتبعونها.
المشاريع (Les projets): تتباين حسب درجة الابتكار (مشروع تقليدي مقلد مقابل مشروع ابتكاري مغامر)، وإمكانات التوسع، وحجم التمويل المطلوب.
البيئة (L'environnement): تختلف بحسب مدى الحاجة التي يلبيها المشروع في السوق، وقيمته الاقتصادية والاجتماعية المضافة.
بسبب هذا التشتت والتنوع، لا يمكننا دراسة كل مشروع كمفردة معزولة، بل يجب استخدام مقاربات تصنيفية (Approches typologiques) تسمح بربط أي حالة مشروع فردية بـ "نمط عام" (Type générique) يسهل فهمه والتعامل معه.
التصنيف الأول: حسب درجة الاستقلالية (Degré d'indépendance) ودرجة التجديد أو الحداثة (Degré de nouveauté)
أ. بُعد درجة الاستقلالية (Degré d'indépendance)
إن استقلالية المؤسسة الجديدة ليست مسألة بسيطة، بل تُقاس عبر ثلاثة مستويات:
الاستقلالية القانونية: ألا تمتلك شركة أو منظمة أخرى أغلبية رأس مال المؤسسة الجديدة.
الاستقلالية الهيكلية (الأفراد): قد تؤسس "شخصية طبيعية" شركة جديدة، لكن هذا الشخص يمتلك بالفعل عدة شركات أخرى، مما يجعل المؤسسة الجديدة مجرد حلقة في سياق نمو داخلي لمجموعة أعمال، وبالتالي تقل استقلاليتها الفعلية.
الاستقلالية الاقتصادية والتعاقدية: هل الشركة حرة تماماً في خياراتها ومعاملاتها؟ أم أنها مقيدة بعقود تضعها في علاقة شبه تراتبية (quasi-hiérarchique) مع شركات أخرى؟ عقود الامتياز التجاري (La franchise) هي خير مثال؛ حيث تتراوح استقلالية الفرانشايز بين عقد يمنحه هامش مناورة واسع، وعقد آخر يقيده تماماً.
ب. بُعد درجة التجديد/الحداثة (Degré de nouveauté)
يركز هذا البعد على طبيعة النشاط الاقتصادي للمؤسسة:
غياب التجديد (نشاط قديم): عندما تؤسس الشركة للاستحواذ على نشاط كان قائماً ومُستغلاً من قبل شخص آخر (الاستحواذ أو إعادة الاستئناف الجزئي أو الكلي لكيان موجود).
وجود تجديد (نشاط جديد): عندما تطلق المؤسسة الفتية نشاطاً جديداً بالكامل، دون وجود أي صلة أو ارتباط مسبق بكيان قائم.
1. منطق التحول القانوني للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة (Logique de PMisation juridique)
الخصائص: درجة تجديد منخفضة (0) + درجة استقلالية منخفضة (0).
الشرح: هي مجرد عملية نقل لنشاط قائم وموجود مسبقاً إلى هيكل قانوني جديد أُنشئ خصيصاً لهذا الغرض. تصبح المؤسسة الجديدة هنا بمثابة "فرع مدمج كلياً" (Filiale quasi-intégrée) للشركة الأم التي قامت بنقل النشاط.
2. منطق النمو الداخلي (Logique de croissance interne)
الخصائص: درجة تجديد عالية + درجة استقلالية منخفضة.
الشرح: تقوم شركة قائمة (أو مسيرها المالك) بإنشاء فرع جديد (Filiale) لتطوير وإطلاق نشاط جديد ومبتكر بالكامل. النشاط جديد لكن التبعية القانونية والمالية للشركة الأم قائمة.
3. منطق الاستحواذ أو الاستئناف (Logique de reprise d'entreprise / acquisition)
الخصائص: درجة تجديد منخفضة + درجة استقلالية عالية.
الشرح: يقوم فرد (لم يكن مالكاً أو مسيراً من قبل) بإنشاء مؤسسة جديدة للاستحواذ على كل أو جزء من أصول ونشاط شركة كانت قائمة بالفعل أو توقفت حديثاً. المشروع مستقل بذاته ككيان، لكن الفكرة والنشاط ليسا جديدين.
4. منطق التأسيس من الصفر (Logique de création ex nihilo)
الخصائص: درجة تجديد عالية + درجة استقلالية عالية.
الشرح: الحالة المثالية لريادة الأعمال؛ حيث يقوم فرد أو مجموعة صغيرة بإنشاء مؤسسة مستقلة تماماً تمارس نشاطاً جديداً ومبتكراً لا يرتكز على أي كيان سابق.
ان امتلاك المؤسسة لـ درجة استقلالية عالية (مثل حالة التأسيس من الصفر Ex nihilo) لا يعنى أبداً أن رائد الأعمال يعيش في بيئة معزولة أو يعمل بمفرده (Isolé). بل على العكس:
يمكن أن يتم الإنشاء من الصفر في إطار عملية "تفريخ أو توليد المؤسسات" (Essaimage)، حيث تخرج الشركة من رحم دعم مؤسسة كبرى كأداة تشجيع لموظفيها.
غالبية مشاريع الإنشاء من الصفر الحالية هي "مشاريع مرافَقة" (Créations accompagnées)، تحظى بدعم من حاضنات الأعمال، المسرعات، والهيئات الاستشارية، مما يعزز فرص نجاحها دون المساس باستقلاليتها القانونية والاقتصادية.
التصنيف الثاني: حسب درجة التغيير بالنسبة للفرد (Degré de changement) ودرجة التجديد بالنسبة للبيئة (Degré de nouveauté)
هذا النموذج لا يصنف الشركات ككيانات جامدة، بل يصنف "سيرورة الإنشاء" (Processus de création) ويربط كل نمط بمستوى معين من الشك وعدم اليقين (Incertitude) وبالتالي حجم المخاطرة.
درجة التغيير بالنسبة للفرد (المقاول): تقيس حجم التحول الإدراكي، السلوكي، والحياتي الذي سيعيشه المقاول. هل المشروع يغير عاداته، مهاراته، نمط حياته، وعلاقاته المهنية والعائلية؟ أم أنه يقع في منطقة راحته (Zone de confort)؟
درجة التجديد بالنسبة للبيئة والمحيط: تقيس مدى ابتكارية المشروع وقدرته على خلق قيمة جديدة في السوق. هل المنتج/الخدمة مألوف وموجود في السوق، أم أنه ابتكار جذري يواجه محيطاً غير مستعد له بعد؟
بتقاطع هذين البعدين، نحصل على أربعة أنماط ريادية كبرى، يتدرج فيها مستوى الشك والمخاطرة:
النمط الأول: إنشاء المحاكاة التكرارية (La création REPRODUCTION)
الخصائص: تغيير منخفض للمقاول + تجديد منخفض للبيئة.
مستوى الشك/عدم اليقين: منخفض جداً.
الشرح: يختصرها فايول في جملة: "أن يفعل الفرد لحسابه الخاص ما كان يفعله كأجير لدى غيره". المقاول هنا يمتلك الخبرة الفنية، العلاقات، ويعرف خبايا المهنة (مثل مهندس أسس شركته في نفس قطاع عمله السابق بعد إفلاس شركته الأم). السيرورة هنا سريعة ومضمونة لأن التعلم غير مطلوب تقريباً.
النمط الثاني: إنشاء التقليد (La création IMITATION)
الخصائص: تغيير عالٍ للمقاول + تجديد منخفض للبيئة.
مستوى الشك/عدم اليقين : مرتبط بسرعة تعلم المقاول واكتسابه للكفاءات.
الشرح: يعتمد المقاول هنا على "صيغة عمل مجربة وناجحة مسبقاً في السوق"، وأبرز مثال عليها هو عقود الامتياز التجاري (La franchise) . التحدي هنا ليس في الفكرة (فهي ناجحة ومألوفة للبيئة)، بل في المقاول نفسه؛ لأنه لا يملك كافة المهارات التسييرية والريادية بعد.
نصيحة فايول الاستراتيجية هنا: يجب الانطلاق بشكل تدريجي (Incrémentale) لتقليل التكاليف غير المستردة (Coûts irréversibles)، وإعطاء المقاول الوقت والمال الكافيين للتعلم واكتساب مهارات الإدارة لتفادي الفشل المبكر.
النمط الثالث: إنشاء الابتكار والتثمين (La création INNOVATION-VALORISATION)
الخصائص: تغيير منخفض للمقاول + تجديد عالٍ للبيئة.
مستوى الشك/ عدم اليقين : مرتبط بمدى تقبل السوق للابتكار + العوائق الفنية والصناعية.
الشرح: هنا يكون المقاول خبيراً أو باحثاً علمياً يمتلك براءة اختراع أو معرفة تقنية ، وبالتالي لا يشعر بتغيير كبير في مهاراته الشخصية. لكن المحيط يواجه منتجاً جديداً تماماً.
السياق الأكاديمي: يذكر فايول أن هذا النمط تدعمه الدول بقوة عبر سياسات "تثمين البحث العلمي" ونقل التكنولوجيا من الجامعات إلى السوق، من خلال حاضنات الأعمال الجامعية وآليات تسريع نقل التكنولوجيا .
النمط الرابع: إنشاء الابتكار المغامر (La création INNOVATION-AVENTURE)
الخصائص: تغيير عالٍ جداً للمقاول + تجديد عالٍ جداً للبيئة.
مستوى الشك/عدم اليقين : في أعلى مستوياته (مزيج بين غموض السوق وصعوبة التعلم الذاتي).
الشرح: هذا هو النمط الأكثر ديناميكية وتوتراً في ريادة الأعمال. كل شيء مجهول؛ المقاول يطور مهاراته بالتزامن مع إعادة بناء المشروع وتشكيله من الصفر (تغير مستمر في ثنائية الفرد/المشروع).
المهارات المطلوبة: هنا لا تكفي المعرفة الأكاديمية، بل يحتاج المقاول إلى مهارات سلوكية ونفسية : المثابرة والعناد (Ténacité)، القدرة على تحمل الضغط والتوتر (Résistance au stress)، والتعايش مع الغموض الشديد والشك.
الديناميكية والتحول المستمر (Configurations dynamiques): المشاريع الريادية ليست ثابتة في مربع واحد. قد يبدأ المشروع كـ "ابتكار مغامر" (مخاطرة عالية جداً)، ومع مرور الوقت واكتساب المقاول للمهارات وتعود السوق على المنتج، يتحول المشروع تدريجياً ليتخذ خصائص "المحاكاة أو التكرار". كما تؤثر في هذا التحول قوى داخلية (تغير أهداف المقاول) أو خارجية (تغير معطيات البيئة والمنافسة).
.png)


إرسال تعليق